• الجمعة 23 حزيران 2017
  • التوقيت المحلي للبصرة: 04:40 ص
  • درجة الحرارة بالبصرة: 26°
ترددات راديو المربد البصرة: 93.3 / ذي قار: 101.3 / ميسان: 89.4 / بابل وكربلاء والنجف والديوانية: 98.8 / المثنى: 97.7 / واسط: 98.7
ملفات بارزة معركة الموصل

الاعراف العشائرية بين التجذر والمواثيق الساعية للحد من بعضها

تحقيقات الجمعة 12 أيار 2017 - 04:18 م

وجبات المفطح التي تقدم في مجالس العزاء

حيدر الجزائري / المربد

انتهت ايام مجلس الفاتحة لوالد ابو محمد الموسوي، وانفض من حوله المعزون، وجنّ عليه الليل يصبر نفسه بفقد عزيزه، الى جانب التفكير بهموم اخرى طرأت عليه فجأة بات العمل على حلها اولى من سكب دموع الحزن.

اكثر من 20 مليون دينار، مبلغ تراكم عليه من ضيافة وولائم لمئات المعزين الذين حضروا مجلسي عزاء الرجال والنساء على مدى ثلاثة أيام.

ويقول الموسوي للمربد، انه اقام ولائم خلال الغداء والعشاء قدم خلالها الذبائح و وجبة تعرف شعبيا (بالمفطح) وأحيانا الدجاج اضافة الى الفاكهة والعصائر والحلوى من اجل الترحم وكسب الثواب لوالده، مضيفا انه سيستمر ايضا بإقامة ولائم اخرى كل ليلة جمعة ضمن عرف يطلق عليه (سبع جمع)، موضحاً انها عادات وأعراف مكلفة ولابد منها، والامتناع عنها يعود بالمنقصة المجتمعية والعشائرية لصاحب العزاء، حسب وصفه.

ولايقتصر الامر على ارهاق اسرة الميت بتكاليف الولائم ووجبات الثواب فحسب ، بل يتعداه احيانا الى الاحراج الحاصل بسبب اعراف اطلاق العيارات النارية في تشييع الجنائز وفي مايعرف (بالعراضات) العشائرية التي يلقي فيها اهازيج تستذكر معظمها محاسن المتوفى.

اطلاق عيارات نارية في الهواء  -ارشيف

المرجعية الدينية تحذر

تقاليد وأعراف وعادات بعضها تدخل حيز التفاخر وأخرى تريق الدماء وتشل الحياة، بمجملها لم تكن غائبة عن حديث المرجعية الدينية التي اكدت خلال خطب الجمعة مؤخراً على ضرورة القضاء على التصرفات التي وصفتها بـ "اللا إسلامية واللا إنسانية عند العشائر"، واشارت الى ان هذه الممارسات السلبية تنتج من قلة الوعي وتدني الثقافة وغياب سلطة القانون بدرجة معينة.

وقال وكيل المرجعية الدينية الشيخ مهدي الكربلائي خلال خطبة صلاة الجمعة التي اقيمت في 21 نيسان 2017 بالصحن الحسيني في كربلاء، "هناك بعض الممارسات الضارة في العرف العشائري ويجب فرزها عن الممارسات الصحيحة في الأعراف العشائرية"، وحذر من "استمرار تطبيق هذه الممارسات السلبية لأنها إن استمرت من دون ردع ومعالجة، فإنها ستتجذر في المجتمع ويصعب معالجتها، كما انها خطيرة على التعايش السلمي بين الناس".

مواثيق للحد منها

ويقابل ذلك عشائر رفضت تلك العادات العشائرية والاجتماعية على ارض الواقع، وأخذت تتحرك نحو تحجيمها وإخراجها من الحياة اليومية عبر مواثيق خطية يوقع عليها شيوخ العشائر والوجهاء وسادة الاقوام في حفل علني يتم الاعلان عنه.

ناحية الهارثة الواقعة شمال البصرة، وقع مجموعة من الوجهاء وشيوخ العشائر والسادة فيها "ميثاق شرف" من 6 بنود، ينص على القضاء على الاعراف التي وصفوها باللا إسلامية والدخيلة على الاعراف العشائرية، وفيما مقدمتها التهديد العشائري (الكوامة) وتقليص ايام مجالس العزاء(الفاتحة) بيومين ودون تقديم الولائم، كما شدد الميثاق على هدر دم مطلق العيارات النارية لأية مناسبة حال ازهق الرصاص حياة مواطن.

وقال أحد الموقعين على الميثاق، السيد حيدر الغريفي البحراني لراديو المربد، إن بنود الميثاق تنص على منع التهديد (الكوامة) العشائرية بين الاهالي، وان تكون مجالس العزاء (الفاتحة) يومان فقط، وحصر تقديم الوليمة لضيافة القادمين من مناطق بعيدة او محافظات اخرى، للتخفيف من اعباء صاحب المصيبة وعدم اثقاله بتكاليف الطعام، وكذلك منع الولائم التي يقصد بها طلب الثواب المعروفة بـ (سبع الجمع) بعد مجالس العزاء، علاوة على ان يكون واجب تقديم العزاء اختياري، ويمنع اصطحاب الاطفال الى المناسبات ولايحق الاعتراض على ذلك حال رفض استقبالهم.

وأضاف ان الميثاق ينص على منع اطلاق العيارات النارية في كافة المناسبات، او حتى من أجل فحص السلاح، ويتم هدر دم مطلق العيارات اذا قتل احد ابناء المنطقة بسبب اطلاقاته، فيما لفت الى منع الميثاق تقديم الهدايا من قبل من أدى العمرة او زيارة العتبات المقدسة البعيدة.

المواثيق ملزمة شرعياً

رجل الدين عامر السماوي قال بأن تلك المواثيق التي يصدرها العشائر تندرج ضمن العهود والبنود وتكون ملزمة شرعياً في تطبيقها على من يوقعها ويتبناها.

ويوضح عبر حديثه للمربد بان العادات والأعراف اذا كانت مخالفة للشريعة الاسلامية والأخلاق والإنسانية بشكل عام فهي محرمة "كالكوامة" العشائرية وإطلاق العيارات النارية التي يتوجب على فاعلها دفع دية شرعية لأنها تسبب بأذى للآخرين مضيفا ان بعض العادات والأعراف تدخل ضمن نطاق المكروه ولابد من تجنبها، كالولائم في مجالس العزاء (الفاتحة)، في حين يحبذ قيام الاصدقاء والأقرباء او عامة الاهالي بإقامة تلك الولائم من قبلهم وليس من قبل صاحب العزاء الذي يفترض اعانته كما يشير له الاستحباب الديني، لافتاً الى ان ما نراه حاليا هو عكس ذلك.

مواثيق لاتقر قانونياً

ورغم ان المواثيق والاتفاقات العشائرية تلزم من يتبناها شرعاً لكن القانون لايصادق عليها كما يقول الخبير القانوني داخل السلطاني للمربد، مضيفا بأن القانون قوي وﻻ يحتاج الى اي مواثيق عشائرية لبعض الاعراف والعادات، ﻻن البعض منها يدرجها القانون ضمن الجرائم مثل "الكوامة" العشائرية التي بحد ذاتها تعتبر تهديد بالقتل وتعتبر جريمة، اما اطلاق العيارات النارية في جميع المناسبات تعتبر كذلك جريمة ويصادر السلاح ويعاقب الفاعل، وكذلك "النهوة" العشائرية او أن بنت العم يجب ان تتزوج من ابن عمها، لان القانون يقول الزواج اتفاق وإرادة واختيار.

ويرى السلطاني بأن المجتمع يحتاج الى فرض قانون لانه واجب التطبيق، وجميع قواعده ونصوصه امره ذات عقوبات تطبق على الجميع.

عادات متجذرة بأكثر من الف عام


ويمتد عمر بعض الاعراف والعادات في العراق وجنوبه والبصرة على وجه الخصوص الى اكثر من ألف عام، بحسب رئيس مجلس عشائر ومكونات البصرة الشيخ عباس الفضلي والذي اشار الى ان البصرة ومنذ تأسيسها عام 14 هجري وبسبب مكانتها وقوتها الاقتصادية اصبحت محط جذب للكثير من القبائل والأقوام والقوى من مختلف العالم، وبالتالي انتج ذلك عن مجتمع خليط بجذور وعادات وأعراف مختلفة وهي مازالت قائمة لغاية اليوم، مرجعا ذلك الى غلبة صوت العشائر على القانون، مبينا ان بعض العشائر كانت ومازالت تتفاخر بعاداتها كاطلاق العيارات النارية والولائم الكبيرة في المناسبات.

ويرى بان مواثيق الشرف التي وقعت للحد من ذلك "بمجملها حبر على ورق" ما لم يتم تطبيقها على ارض الواقع.

ويؤكد مختصون في الشأن الاجتماعي والعشائري بأن الجهد المشترك من جميع الاطراف الحكومية والمدنية والعشائرية وبالأخص الدولة والأجهزة الامنية من خلال تطبيق القانون وفرض سيادته من شأنه التخلص من العادات والأعراف والظواهر السلبية بعد تهيئة بيئة خصبة الى جانب دور المرجعية الدينية العليا ووكلائها عبر الخطب والمنابر والعمل الميداني في تحريك المجتمع والتأثير عليه وقيادة حملات للتثقيف في هذا الاطار وأهمية احترام القانون والأحكام الشرعية.

المزيد من البصرة

شارك برأيك

اختر محافظتك لمعرفة أحدث أخبارها